فخر الدين الرازي
263
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
بكلتا العبارتين ، وقيل إن معنى قولك أمنتك بدينار أي وثقت بك فيه ، وقولك أمنتك عليه ، أي جعلتك أميناً عليه وحافظاً له . المسألة الثالثة : المراد من ذكر القنطار والدينار هاهنا العدد الكثير والعدد القليل ، يعني أن فيهم من هو في غاية الأمانة حتى لو اؤتمن على الأموال الكثيرة أدى الأمانة فيها ، ومنهم من هو في غاية الخيانة حتى لو اؤتمن على الشيء القليل ، فإنه يجوز فيه الخيانة ، ونظيره قوله تعالى : وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدالَ زَوْجٍ مَكانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطاراً فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً [ النساء : 20 ] وعلى هذا الوجه ، / فلا حاجة بنا إلى ذكر مقدار القنطار وذكروا فيه وجوهاً الأول : إن القنطار ألف ومائتا أوقية قالوا : لأن الآية نزلت في عبد اللّه بن سلّام حين استودعه رجل من قريش ألفاً ومائتي أوقية من الذهب فرده ولم يخن فيه ، فهذا يدل على القنطار هو ذلك المقدار الثاني : روي عن ابن عباس أنه ملء جلد ثور من المال الثالث : قيل القنطار هو ألف ألف دينار أو ألف ألف درهم ، وقد تقدم القول في تفسير القنطار . المسألة الرابعة : قرأ حمزة وعاصم في رواية أبي بكر يؤده بسكون الهاء ، وروي ذلك عن أبي عمرو ، وقال الزجاج : هذا غلط من الراوي عن أبي عمرو كما غلط في بارِئِكُمْ * بإسكان الهمزة وإنما كان أبو عمرو يختلس الحركة ، واحتج الزجاج على فساد هذه القراءة بأن قال : الجزاء ليس في الهاء وإنما هو فيما قبل الهاء والهاء اسم المكنى والأسماء لا تجزم في الوصل ، وقال الفراء : من العرب من يجزم الهاء إذا تحرك ما قبلها . فيقول : ضربته ضرباً شديداً كما يسكنون ( ميم ) أنتم وقمتم وأصلها الرفع ، وأنشد : لما رأى أن لا دعه ولا شبع وقرئ أيضاً باختلاس حركة الهاء اكتفاء بالكسرة من الياء ، وقرئ بإشباع الكسرة في الهاء وهو الأصل . ثم قال تعالى : وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا ما دُمْتَ عَلَيْهِ قائِماً وفيه مسألتان : المسألة الأولى : في لفظ ( القائم ) وجهان : منهم من حمله على حقيقته ، قال السدي : يعني إلا ما دمت قائماً على رأسه بالاجتماع معه والملازمة له ، والمعنى : أنه إنما يكون معترفاً بما دفعت إليه ما دمت قائماً على رأسه ، فإن أنظرت وأخرت أنكر ، ومنهم من حمل لفظ ( القائم ) على مجازه ثم ذكروا فيه وجوهاً الأول : قال ابن عباس المراد من هذا القيام الإلحاح والخصومة والتقاضي والمطالبة ، قال ابن قتيبة : أصله أن المطالب للشيء يقوم فيه والتارك له يقعد عنه ، دليل قوله تعالى : أُمَّةٌ قائِمَةٌ [ آل عمران : 113 ] أي عامله بأمر اللّه غير تاركه ، ثم قيل : لكل من واظب على مطالبة أمر أنه قام به وإن لم يكن ثم قيام الثاني : قال أبو علي الفارسي : القيام في اللغة بمعنى الدوام والثبات ، وذكرنا ذلك في قوله تعالى : يُقِيمُونَ الصَّلاةَ * [ البقرة : 3 ] ومنه قوله دِيناً قِيَماً [ الأنعام : 161 ] أي دائماً ثابتاً لا ينسخ فمعنى قوله إِلَّا ما دُمْتَ عَلَيْهِ قائِماً أي دائماً ثابتاً في مطالبتك إياه بذلك المال . المسألة الثانية : يدخل تحت قوله مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطارٍ و بِدِينارٍ العين والدين ، لأن الإنسان قد يأتمن غيره على الوديعة وعلى المبايعة وعلى المقارضة وليس في الآية ما يدل على التعيين والمنقول عن ابن عباس أنه حمله على المبايعة ، فقال منهم من تبايعه بثمن القنطار فيؤده إليك ومنهم من تبايعه بثمن الدينار فلا